أبو نصر الفارابي

89

احصاء العلوم

من أن يكون يستنكر أشياء ويخيل إليه أنها غير ممكنة من غير أن تكون في الحقيقة كذلك . فلهذه الأشياء رأى هؤلاء أن يحيل تصحيح الملل « 1 » : فإن الذي أتانا بالوحي من عند الله جل ذكره صادق ولا يجوز أن يكون قد كذب . ويصح أنه كذلك من أحد وجهين : إما بالمعجزات التي يفعلها أو تظهر على يده ؛ وإما بشهادات من تقدم قبله من الصادقين المقبولي الأقاويل على صدق هذا ، ومكانه من الله ، جل وعز ، أو بهما جميعا « 2 » . فإذا صححنا صدقه بهذه الوجوه ، وأنه لا يجوز أن يكون قد كذب ، فليس ينبغي أن يتفق بعد بعد ذلك في الأشياء التي هو لها مجال للعقول ، ولا تأمل ، ولا روية ، ولا نظر . فبهذه وما أشبهها رأى هؤلاء أن ينصروا الملل . وقوم منهم آخرون يرون أن ينصروا أولا جميع ما صرح به واضع الملة بالألفاظ التي بها عبر عنها ، ثم يتبعوا المحسوسات والمشهورات والمعقولات « 3 » : فما وجدوا منها أو من اللوازم عنها وإن بعد ، شاهدا

--> ( 1 ) لا يجوز تصحيح الملل : لا يجوز اعتبار الشرائع غير صحيحة ، أو العمل على تصحيحها ، لأن تلك الشرائع صادقة . ( 2 ) ثمة دليلان على صدق الشريعة : الأول المعجزات التي أتى بها الأنبياء . والثاني شهادة المتقدمين . ( 3 ) يذكر الفارابي هنا مبدأ آخر من مبادئ علم الكلام هو التأويل . فإذا وجد المتكلمون تناقضا بين النص الديني وبين المحسوسات والمشهورات والمعقولات أولو النص أو أولو المحسوسات والمشهورات والمعقولات . وإن لم يستطيعوا هذا ولا ذاك قالوا إن النص حق لأنه « أخبر به من لا يجوز أن يكون قد كذب ولا غلط » .